السبت، 2 مارس 2013

نصوص فلسفية: الغير



ـ كانط  E.Kant
” إن الصداقة ، في صورتها المثلى ، هي اتحاد بين شخصين يتبادلان نفس مشاعر الحب و الاحترام . ونرى بسهولة أن الصداقة عبارة عن “مثال” (Idéal ) للتعاطف و التواصل بين الناس ، وغاية هذا المثال تحقيق خير الصديقين اللذين جمعت بينهما إرادة
طيبة أخلاقية ، بالرغم من أن الصداقة لا تضمن سعادة الحياة . إن قبـول هـذا المثال يجعلنا مؤهلين للبحث عن السعادة ما دامت الصداقة تمثل بالنسبة للإنسان واجبـا . هذا يعني أنه من السهل أن ننظر إلى الصداقـة باعتبارها فكـرة بسيطة ، يستحيل تحقيقها فعـلا . غير أن السير في اتجاه تحقيقها يشكل واجبا عقليا غير عادي ، و مع ذلك سيحقق هذا الواجب الخضوع له بكل احترام .
كيف يمكن للإنسان في علاقته بقريبه أن يساوي بين العناصر المطلوب توفرها في واجب أخلاقي ما ، فواجب الرعاية والعناية المتبادلة مثلا بين شخصين يفترض حضور نفس الاستعداد العقلي عند الطرفين معا(…) إن أحد الشخصين عندما يظهر حماسا في مشاعر الحب و الاحترام ، يصل في هذه الحالة إلى التوازن المطلوب للصداقة . لذلك ، يمكن تصور مشاعر الحب باعتبارها قوة جذب بين صديقين ، و مشاعر الاحترام قوة دفع بينهما . و يتولد عن الحب تجاذب بين الصديقين ، ويتولد عن الاحترام تباعد بينهما .
يمكن للملاحظات الآتية أن تثير انتباهنا إلى الصعوبات التي تواجهها الصداقة : فإذا تناولناها من جانبها الأخلاقي ، فواجب الصديق تنبيه صديقه إلى أخطائه متى ارتكبها ، لأن الأول يقوم بهذا التنبيه لأجل خير الثاني ، وهذا الواجب هو واجب حب الأول تجاه الثاني. بينما تشكل أخطاء الثاني تجاه الصديق الأول إخلالا بمبدأ الاحترام بينهما(…) لكن كيف لا نتمنى أن يكون لنا صديق في وقت الشدة! ألا نكون في هذا التمني نشعر بقيد يشدنا إلى قدر غيرنا ، فيضيف إلينا مشقة تحمل أعبائه . لا يجب إذن أن تقوم الصداقة على منافع مباشرة و متبادلة ، بل يجب أن تقوم على أساس أخلاقي خالص .”
إمانويل كانط Emmanuel Kant: ميتافيزيقا الأخلاق Métaphysique des Mœurs ، الجزء الثاني، ترجمه إلى الفرنسية ألان رونو، فلاماريون، 1994، ص 342-343 .
عن مقرر رحاب الفلسفة، 2باك مسلك الآداب والعلوم الإنسانية، طبعة 2007، ص 35 .
5ـ شيلر
” أكيـد أنــنا ندرك فــرح الغيـر من خــلال ابتسامتـه ، كما نــدرك همومـه و ألمـه من دموعـه ، و خجلـه من احمـرار وجهـه ، ودعاءه من يديه الملتصقين ، وحبه من نظرته الحنونة ، و غضبه من اصطكاك أسنانه ، و تهديده و رغبته في الإنتقام من قبضة يده.
أما إذا قيل لي : إن هذه ليست “إدراكات” لأن الإدراك هو مجموعة من الأحاسيس ، و إننا لا نحس بالحالة النفسية الداخلية لغيرنا ، و إننا لا ننفعل بما يأتي من نفسية غيرنا ، فإني سأكتفي بأن أطلب من أصحاب هذا القول أن يتركوا هذه النظريات المرفوضة ، و أن يلتفتوا إلى الوضعية الفينومينولوجية(…) إني لا أرى “عيون” الآخر (كموضوع) ، بل إني أراها تراني، وقد أراها تراني بكيفية تجعلني لا أراها تراني ! فأدرك ، من خلال هذه الطريقة ، أن الآخر “يدعي” الإحساس بما لا يحس به ، وبأنه يمزق الرابطة التي تربط تعبيره الطبيعي (الخارجي) بحياته النفسية (الداخلية) (…)
إن ما ندركه ، منذ الوهلة الأولى ، ليس جسد الغير ، و لا نفسيته ، بل ندرك الغير بوصفه كلا لا يقبل القسمة ، إذ لا يمكن أن نقسمه إلى قسمين ، أولهما يدرك داخليا(نفسيا) ، و ثانيهما يدرك خارجيا (جسديا) (…) إن المضمونيــــن ، الداخـــلي والخــــارجي، يترابطان ترابطا وثيقا بخيط دائم و مستقل عن كل ملاحظة أو استقراء . فمظاهر هذه الوحدة الجسدية الفردية ، تبقى رغم تنوعها و خارجيتها( اللون، الشكل، الحركة) تابعة للكل الفردي الحي (…) لهذا السبب ، يكون من المستحيل تفكيك وحدة ظاهرة التعبير لدى الغير، سواء كان هذا التعبير ابتسامة ، أو نظرة مهددة أو حامية ، أو حنونة ، إلى وحدات صغرى لإعادة تشكيلها ، فيما بعد ، للحصول على نفس الظاهرة الكلية التي التقينا بها في البداية . إن ما يكون ممكنا بالنسبة للعالم الطبيعي الفيزيائي، ليصبح ، وأشدد على هذا القول ، مستحيلا بالنسبة للظواهر التعبيرية الإنسانية ، إذ لا يمكنني ، حسب نمط الإدراك الخارجي ، أن أتبنى موقف الإدراك الخارجي فأقطع الموضوع المدرك إلى مكوناته الصغرى ، غير أني لن أنجح ، أبدا ، بالرغم من كل التركيبات الممكنة لهذه الأجزاء ، في إعادة تشكيل الوحدة التعبيرية للابتسامة”، أو “الدعاء”، أو “التهديد”. و لهذا فإن احمرار وجنتي الغير يتجاوز أن يكون مجرد احمرار وجنتين يختزل في المظهر الخارجي للإحمرار، فهو لا يتساوى مع إدراكي الداخلي للإحمرار بوصفه “خجلا” .”
ماكس شيلر : “طبيعة التعاطف و شكله”
Max Scheler: Nature et Forme de la Sympathie
6ـ بيرجي G. Berger
” كيف لا أحس (…) بأن هذه الحميمية مع ذاتي التي تحميني و تحددني ، هي عائق نهائي أمام كل تواصل مع الغير ؟ فقبل قليل، كنت بالكاد موجودا وسط الآخرين . و الآن اكتشفت فرحة الإحساس بأنني أحيا ، إلا أنني وحيد في الانتشاء بفرحي . إن روحي ملك لي فعلا ، غير أنني سجين داخلها ، و لا يمكن للآخرين اختراق وعيي ، مثلما لا يمكنني فتح أبوابه لهم ، حتى و لو تمنيت ذلك بكل صدق (…) إن نجاحي الظاهري يخفي هزيمة شاملة : فالتجربة الذاتية وحدها هي الوجود الحقيقي ، و هي تجربة تظل غير قابلة ، اعتبارا لجوهرها ، لتكون موضوع نقل أو إخبار . فأنا أعيش وحيدا محاطا بسور، و أشعر بالعزلة أكثر من شعوري بالوحدة، وعالمي السري سجن منيع.
و أكتشف ، في نفس الوقت ، أن أبواب عالم الآخرين موصدة في وجهي و عالمهم منغلق بقدر انغلاق عالمي أمامهم . إن ألم الغير، يكشف لي بمرارة انفصالنا الجذري عن بعضنا البعض ، انفصالا لا يقبل بتاتا الإختزال . فعندما يتألم صديقي ، يمكنني ، بكل تأكيد، مساعدته بفعالية ، و مواساته بكلامي ، و محاولة تعويض الألم الذي يمزقه بلطف . غير أن ألمه يبقى رغم ذلك ، ألما برانيا بالنسبة لذاتي . فتجربة الألم تظل تجربته الشخصية هو و ليست تجربتي أنا . إني أتعذب بقدر ما يتعذب ، و ربما أكثر منه ، لكن دائما بشكل مغاير تماما عنه . فأنا لا أكون أبدا “معه” بشكل كلي (…)
هكذا هو الإنسان ، سجين في آلامه ، و منعزل في ذاته ووحيد في موته (…) محكوم عليه بأن لا يشبع أبدا رغبته في التواصل، والتي لن يتخلى عنها أبدا.”
غاستون بيرجي G Berger: “من القريب إلى الشبيه”، حضور الغير، عمل جماعي، 1957، ص 88-89 .
عن مقرر رحاب الفلسفة، 2باك مسلك الآداب والعلوم الإنسانية، طبعة 2007، ص 34 .

1ـ هيدجر M. Heidegger
” إن التباعد باعتباره خاصية مميزة للوجود – مع- الغير ، يلزم عنه أن “الموجود - هنا” يجد نفسه داخل وجود مشترك يومي تحت قبضة الغير . إن الموجود – هنا ، باعتباره وجودا فرديا خاصا ، لا يكون مطابقا لذاته ،عندما يوجد على نمط الوجود مع الغير، لأن الآخرين أفرغوه من كينونته الخاصة . فإمكانيات الوجود اليومية للموجود هنا ، توجد تحت رحمة الغير. فالغير في هذه الحالة ليس أحدا متعينا ، بل على العكس من ذلك ، بإمكان أي كان أن يمثله ، فما يهم هو هذه الهيمنة الخفية التي يمارسها الغير على الوجود - هنا عندما يوجد مع الغير . فالذات نفسها عندما تنتمي إلى الغير تقوي بذلك من سلطته. إن ” الآخرين” ، الذين نسميهم بهذا الاسم لإخفاء أننا ننتمي إليهم بشكل أساسي ، هم الذين يوجدون منذ الوهلة الأولى ، و في الغالب ، في الحياة المشتركة على نمط ” الموجود - هنا “.
في استعمالنا لوسائل النقل العمومية ، أو في استفادتنا من الخدمات الإعلامية ( قراءة الصحف مثلا)، نجد أن كل واحد منا يشبه الآخر. فهذا الوجود - المشترك يذيب كليا الموجود - هنا ، الذي هو وجودي الخاص، في نمط وجود الغير، بحيث يجعل الآخرين يختفون أكثر فأكثر و يفقدون ما يميزهم و ما ينفردون به . إن وضعية اللامبالاة و اللاتمييز التي يفرضها الوجود مع الغير، تسمح للضمير المبني للمجهول ” on” أن يطور خاصيته الديكتاتورية التي تميزه. إننا نتسلى ونلهو كما يتسلى ” الناس ” و يلهون ، ونقرأ الكتب و نشاهد الأفلام ، ونحكم على الأعمال الأدبية و الفنية كما يقرأ الناس و يشاهدون الأفلام و يحكمون على الأعمال الأدبية ، و ننعزل عن الحشود كما ينعزل الناس عنها ونعتبر فضيحة ما يعتبره الناس كذلك(…)
يمكن أن نقول : لقد أريد هذا ، كما يمكن أن نقول لا أحد أراد هذا فيصبح كل واحد هو آخر، ولا أحد هو هو ، إن المجهول الذي يجيب على سؤال من هو هذا الموجود - هنا ليس شخصا متعينا ، إنه لا أحد .”
مارتن هايدغر Martin Heidegger : “الوجود والزمن” Etre et Temps ، الترجمة الفرنسية لبويم دي ويلهانس، غاليمار، 1964، ص 158- 160 .
عن الكتاب المدرسي "رحاب الفلسفة" السنة الثانية، مسلك الآداب والعلوم الإنسانية، طبعة 2007، ص 31.


2 ـ جوليا كريستيفا J. Krieteva  
” ليس الغريب ، الذي هو اسم مستعار للحقد و للآخر ، هو ذلك الدخيل المسؤول عن شرور المدينة كلها… و لا ذلك العدو الذي يتعين القضاء عليه لإعادة السلم إلى الجماعة .
إن الغريب يسكننا على نحو غريب . إنه القوة الخفية لهويتنا ، والفضاء الذي ينسف بيتنا ، و الزمان الذي يتبدد فيه وفاقنا و تعاطفنا . و نحن ، إذ نتـعرف على الغريب فيـنا ، نوفـر على أنفسنا أن نبغـضه في ذاتــه . إن الغريب ، بوصفه عرضا دالا يجعل الـ”نحن” إشكاليا و ربما مستحيلا ، يبدأ عندما ينشأ لدي الوعي باختلافي ، و ينتهي عندما نتعرف على أنفسنا جميعا على أننا غرباء متمردون على الروابط و الجماعات…
كيف يصبح الإنسان غريبا ؟ نادرا ما يخطـر على بالنا هذا السؤال ، لشدة اقتناعـنا بكوننا مواطنين بصـورة طبيعية… أما إذا نحن انسقنا إلى طرحه طرحا سطحيا، فسنضع ، على الفور ، من يتمتعون بالحقوق الوطنية في جهة ، ونقصي من ينتمون إلى بلد آخر و لم يعرفوا كيف يحرصون على الانتماء إليه في الجهة المقابلة . حقا إن لفكرة الغريب ،اليوم ، دلالة حقوقية ، فهي تدل على من لا يتمتع بمواطنة البلد الذي يقطنه . و من المؤكد أن هذا الضبط من شأنه تهدئة الخواطر و إتاحة إخضاع الأهواء الشائكة للقوانين ، تلك الأهواء التي يستثيرها تطفل الآخر و انحشاره داخل انسجام أسرة أو جماعة بشرية . غير أنه يسكت عن ضروب القلق والانزعاج التي تتصل بهذه الوضعية الشاذة ، التي تتمثل في أن يتخذ الإنسان وضعية المختلف داخل جماعة بشرية تنغلق على نفسها مقصية المخالفين لها.”
جولياكريستيفا Julia Kristeva .Etrangers à nous meme, éd. Fayard, 1988, p.7
عن مقرر منار الفلسفة، للسنة الثانية باكلوريا مسلك الآداب والعلوم الإنسانية، طبعة 2007، ص 37 .


3 ـ أوجست كونت A.Comte
” كل شيء فينا ينتمي للإنسانية ، و كل شيء يأتينا منها : الحياة، و الثروة، والموهبة، و المعارف و الحنان(…) و هكذا، فعندما تختزل النزعة الوضعية كل الأخلاق الإنسانية في فكرة واحدة هي أن يحيا الإنسان من أجل غيره ، فإن هذه النزعة تهدف إلى تهذيب الغريزة البشرية الكونية و تسيــيجها ، بعد أن تم الارتقاء بالفكــر النظـري البشـري و تجــاوز كل التركيبات الذهنية اللاهوتيـة والميتافيزيقية(…)
لا يمكن للإنسان الأكثر مهارة وفطنة ونشاطا أن يرد للإنسانية ولو جزءا صغيرا مقابل ما تلقاه منها. يستمر الإنسان ، كما كان في طفولته، يتغذى بالإنسانية ، ويتلقى الحماية من الآخرين ، و يطور قدراته داخلها (…) و ذلـك كله بفضــل الإنسانيــة عليه (…) لكن و بدل أن يتلقى كل شيء منها بواسطة آبائه ، تنقل الإنسانية له خيراتها عبر فاعلين متعددين غير مباشرين ، لن يتعرف على الكثير منهم .
أن يحيا الإنسان من أجل الغير ، يعني إذن ، عند كل واحد منا ، واجبا ضروريا ومستمرا ينبثق عن هذه الواقعة المتعذر تجاوزها وهي : أن يحيا الإنسان بفضل الغير. إنها ، وبدون حماس عاطفي ، النتيجة الضرورية المستخلصة من تقدير دقيق لمجريات الواقع المدرك فلسفيا في مجموعه(…) علاوة على ذلك ، يجب أن يقوم انسجام أخلاقي ، وبصفة جوهرية ، على الغيرية ، فهي وحدها القادرة أن تزودنا بأعظم زخم الحياة . إن الكائنات البشرية المنحطة ، التي تطمح اليوم أن تحيى بفضل الغير ، يجب عليها أن تتخلى عن أنانيتها الهمجية . فإذا ما تذوقت هذه الكائنات ، بما فيه الكفاية ، ما تفضلت بتسميته ملذات الوفاء ، ستفهم آنذاك أن الحياة من أجل الغير تمنح الوسيلة الوحيدة لتطوير كل الوجود البشري بحرية…"
أوغست كونت Auguste Comte: “مواعظ وضعية”، الحوار التاسع، غارنيي، بدون تاريخ، ص 276-279 .
عن مقرر رحاب الفلسفة، 2باك مسلك الآداب والعلوم الإنسانية، طبعة 2007، ص 36 .


هناك تعليق واحد: