الخميس، 28 فبراير 2013

خطاب العقل حول الجنون: الدكتور عبد الواحد أولاد الفقيهي



يبدوا أنه من الصعب الإحاطة بالمشاكل التي يثيرها التمييز بين " العقل " و " الجنون " دون أن نأخذ بعين الاعتبار المرجعية المفاهيمية ، الواسعة والمعقدة ، التي تحدد علاقة " السوي " ب " المرضي " ، ولعله من الواضح الآن أن مثل هذه المفاهيم – المشاكل تستعمل وتتداول – حتى بين العارفين أنفسهم -  دون دقة ووضوح كافيين
، إن مشكلا في مثل هذا العمق له آثاره وأصداؤه داخل العشيرة الطبية نفسها وفي أوساط اجتماعية مختلفة وهدفنا هو رصد بعض أبعاد وخلفيات هذا المشكل داخل مجموعة من المستويات .
1 – معايير التشخيص :
إن صعوبة ضبط العلاقة الواضحة بين « العقل  » و « الجنون » تثار في البدء، وتتحدد على أساس نوعية المرجع المعتمد في تحديد خصائص المرض والصحة العقليين ، ذلك أن المعايير المتواجدة تتعدد وتتداخل إلى درجة يصعب الفصل والتمييز بينها ، فهناك المعيار الإحصائي، الثقافي، القيمي، الذاتي، الطبيعي، الإكلينيكي، النمائي، النظري ….والتوظيف الأحادي لمعيار دون آخر من شأنه الوقوع في مجموعة من المشاكل تتعلق بالأشخاص والمؤسسات والقوانين .
   إلا أنه حتى لو أخذنا تكامل بعض هذه المعايير كما يعتمدها التشخيص الطبي ، فإن المشكل الذي يطرح على هذا التشخيص باعتباره يقوم على التمييز بين « السوي » و« المرضي » كونه يخضع لمصنفات ( تعتبر كلاسيكية ) تميز بشكل جذري بين المرضى العقليين وغيرهم ممن يتمتعون بصحة عقلية ، وداخل المرضى يقوم تمييز آخر بين الذهانيين  والعصابيين ، باعتبار أن الصنف الأول يتحدد على أساس ( بمعيار ) فقدان العلاقة المباشرة والواعية مع الواقع وانعدام التكيف الاجتماعي وعدم الوعي بالاضطرابات والانعزال عن الوسط الخارجي وبالتالي خلق عالم داخلي يجد فيه المريض ذاته ويحقق فيه وجوده ، وضمن هذا الصنف تتدرج الحالات الفصامية والهذيانية والذهانات الدورية أو الهوس الاكتئابي ….في حين أن صنف العصاب لا يمس الوظائف الجوهرية في شخصية الإنسان ، لذلك يكون العصابي على إدراك بمشاكله واضطراباته ، مثل حالات القلق والوسواس والخوف المرضي ( الفوبيا ) والهستريا …
   يبدو أنه من داخل هذا التصنيف ينبعث السؤال التالي ، هل تكفي تلك الخصائص لإعطاء الطبيب مشروعية التمييز بين « إنسان سوي » و« آخر مريض » أو بين « عاقل » و« مجنون » ؟ يبدو أن مثل هذه السؤال هو الذي كان وراء ثورة التحليل النفسي التي استطاع فرويد (Sigmund Freud 1856 – 1939 ) من خلالها تقليص ، بل إلغاء ذلك الخط الفاصل – على الأقل – بين « السوي » و « العصابي » باعتبار أنهما يندرجان في خانة واحدة ، ويلجآن إلى نفس الآليات الدفاعية ، غير أن الأول يوظفها بشكل مرن أو لين والثاني بشكل كثيف وقوي حسب الحالات والمجالات النفسية – الاجتماعية .
   لقد بقيت الإجراءات /  « التعاليم» السابقة مسلما بها فترة طويلة ، رغم ما كانت تثيره من مشاكل عميقة ، لكن الهزة ستحدث مع بداية الستينات من هذا القرن حيث تعرض الخطاب والممارسة الطبيين لنقد جذري سواء من طرف الممارسين للمهنة أو من طرف فلاسفة وابستمولوجيين ، ويمكن في هذا الصدد أن نذكر أسماء منهاCOOPER DAVID
RELAND LAING – FRANCO BASAGLIA – TOMAS SZASZ – ROGER BASTIDE – GEORGE DEVERREUX – MICHEL FOUCAULT …..وقد ساهمت أعمال هؤلاء في إعادة النظر في أصل الأمراض العقلية ، وفي عالمية بعضها ، وفي شمولية بعض المعايير التشخيصية بشكل أدى إلى وضع الطب العقلي أمام نسبية وحدود مقولاته ، وبالتالي مراجعة ، بل وانتقاد مشروعية التمييز بين العقل والجنون ، وقد ساهمت تلك المراجعة النقدية في ظهور خطاب فلسفي ( من طرف الأطباء أنفسهم ) يحاول إعطاء أبعاد أخرى لطبيعة العلاقة بين العقل والجنون .

2 – خلفيات التمييز :
-   من يتحدث عن الجنون ؟
يبدو أن أي خطاب حول الجنون يحيلنا ، بشكل ضمني أو صريح ، إلى الانسياق نحو تمييز بين العقل والجنون ، فالخطاب عن الجنون لا يمكن أن يصدر إلا عن عقل يشترط فيه أن يكون عاقلا ، أي يستبعد عن ذاته صفة الجنون أو يرفضها أو يخافها ، بل أكثر من ذلك إن الخطاب الذي ينجزه هذا العقل العاقل يجب أن يتضمن إيمانه المطلق بعقلانيته، وبالتالي فهو يناقض بشكل جوهري مصدر الخطاب الذي ينجز حوله خطابه ( خطاب الذات العاقلة حول خطاب المجنون ) ، منطقيا عليه أن يؤمن بأنه لا يمكن أن يصدر عن مجنون خطاب عاقل أو عقلاني ، وإلا لشك هو في مصداقية خطابه المترتبة عن نفيه لما ليس هو .
ينتج عن ذلك أن أي خطاب حول الجنون لا يمكن أن يموقع نفسه إلا خارج إطار موضوعه ، باعتبار أنه ينطلق من مواصفات خارجية جاهزة ( اجتماعية – سلطوية – طبية ) ويتأسس كخطاب على خطاب آخر ، مباشر أو غير مباشر ، كما أنه يوظف أجهزة مفاهيمية تتوزع  داخل مجموعة من المجالات ( البيولوجي – السيكولوجي – السوسيولوجي …). لذلك فأي خطاب حول الجنون لن ينفلت من كونه اختزالا لحالة كلية معيشة على المستوى الجسدي والنفسي ومهمشة على المستوى الاجتماعي ( بكل ما يتضمنه التهميش من أبعاد ودلالات ). إن ذلك الخطاب باعتباره مؤسسا ، يشيد على " وقائع " وإجراءات خارجية متتابعة تبدأ من الشكوى ضد المريض أو من اتهامه بالقيام بسلوك يوصف بأنه " لا أخلاقي " أو " لا اجتماعي " أو" لا عقلي " …..وبعد ذلك يتم الإنصات إلى خطابه ( الغريب مسبقا ) وملاحظة سلوكه واستجاباته ( الشاذة مسبقا ) …ثم  تحليل كل ذلك على مستوى الشكل والمضمون ( الغير عاديين دائما ) ليقرر في الأخير إدراجه ضمن هذا الصنف أو ذاك من الأمراض ، ليصبح الملف أو الوثيقة بعد ذلك هي الشاهدة عليه وعلى حياته وشخصيته وتاريخه ….
   وداخل هذه الممارسة ينبعث السؤال التالي : هل كانت إجراءات المجتمع والسلطة والمعرفة الطبية ( وهي إجراءات متواطئة ضمنيا فيما بينها ) نزيهة وبريئة في انتزاع صفة العقل عن ذلك الإنسان الذي من كثرة الاتهامات الموجهة إليه من الخارج أصبح يتهم نفسه من الداخل بشكل من الأشكال ؟.
    إن مثل هذا السؤال يدفعنا أكثر إلى الحفر في معنى الحديث عن الجنون داخل مستويات أخرى تتعلق باللغة والمجتمع والقانون .
3-  محددات المفهوم – الشخص – الحالة :
يبدو أن اللغة التي تستعمل في أي خطاب  حول الجنون غير بريئة من حيث دلالتها الثقافية اللاواعية ، إنها لغة مشحونة بحمولة عميقة تحدد مسبقا هوية ووظيفة الأشياء والأشخاص ، فإذا بحثنا في جذر الكلمة / المفهوم  « جنون » أو « مجنون » الذي هو " الجن " ، سنجد انه يحيل إلى عدة معاني من بينها : الخفاء – الاستتار( = جن عنه ، استتر ، اجتن الشيء ، أخفاه ) وكذلك الإظهار والإخراج ( = جنت الأرض ، أخرجت زهرها ) وأيضا الإكثار من الترنم والصوت( = جن الذباب ، كثر صوته ، استجن فلان ، دعاه إلى الطرب ) لكن هناك معنى آخر للكلمة هو المقصود هنا ف " جن " تعني أيضا ( زال عقله أو فسد ) فما هي العلاقة بين المعاني السابقة والمعنى الأخير الذي يهمنا ؟ اللغة في حد ذاتها لا تجيب إلا من خلال تركيبات ووسائط معينة .
   من الملاحظ أن هناك تعابير شائعة من قبيل ( مسه جن – ضربه جن …) أي أصبح مجنونا ، أي فقد عقله ؟ إننا لحد الآن لم نتساءل عن معنى كلمة  ( جن أو جني ) وعلاقتها بالجنون لأننا ننتظر ما سوف تمدنا به اللغة ، وهنا يبدو أنه من الضروري الانتقال بين معاني الكلمات حتى نجد ذلك الخيط الرابط الخفي ، إن اللغة العربية تحدد الجن بأنه مخلوق موجود فعلا لكنه غير مرئي للبشر ، وسمي جنا لاختفائه واستتاره عن الأبصار ( معنى الخفاء ! ) وهناك آيات قرآنية كثيرة تدل على ذلك ، هذا من جهة ، ومن جهة أخرى إن الاعتقاد السائد يربط سلوك الإنسان المجنون بفعل الجن ، وكأن هذا الأخير يتجلى من خلال تأثيره في الشخص ليصبح هذا الأخير" مسكونا " به ( معنى الإظهار والإخراج ) وذلك التجلي يبدو من خلال السلوكات غير العادية خطابا وممارسة ( معنى الإكثار الصوتي = الهوس بلغة الطب ) .
   يبدو إذن أن اللغة حاملة لنسقها الثقافي وفي نفس الوقت كاشفة لخلفياته ، وامتدادا ته المترسبة والمتجذرة في ذهنية وسلوك الإنسان الحامل لذلك النسق ، فالقناعة الواعية واللاواعية السائدة اجتماعيا ، أن الإنسان المريض عقليا خاضع لتأثير كيانات واقعية غير مرئية ( الجن ) . ويكون هذا التأثير في درجاته القصوى حين يصبح كيان غيبي ما ( جن ) جزءا لا يتجزأ من الشخص المريض ، وكأنه يسكن داخله ، وهذا هو معنى كون المريض " مسكون " ( وكأن تجلى فيهخفاء ) ، وقد تذهب تلك القناعة بعيدا حين تفسر تغير صوت المريض بأن " المسكون الخفي " هو الذي يتكلم من خلاله .
    إن مثل هذا التقابل بين حمولة اللغة ومضمون الاعتقاد يعني أن للغة دورها في تحديد وتأطير هوية الفرد داخل مجموعة من المجالات ، كما يعني في نفس الوقت ضرورة الحذر من خداع اللغة ، لأنها تتكلم خارج إطار إرادة توظيفنا لها ، فباعتبارها وسيلة نصيغ من خلالها هويتنا تحدد مواقفنا بشكل مسبق ، من أنفسنا ومن الآخرين ومن الوجود ، لأنها لا تخضع لنوايا خطابنا بقدر ما يخضع خطابنا لقوة تأثيرها واستعبادها.
 - إلا أن دور اللغة ذلك لا يعني تهميشا أو إلغاء لمحددات أخرى قد تبدو أحيانا أكثر فعالية في تحديد معنى الأشياء ، يبدو أن هذا المعنى لا يتحدد إلا داخل نسق علم متكامل ، بعبارة أدق إن" الجنون " لا يستمد واقعيته ودلالته وقيمته ( كمرض ) إلا داخل ثقافة تتعرف عليه كما هو، أي أنه ليس هناك نموذج كلي واحد للجنون أو المرض العقلي ، بل إن النماذج تختلف باختلاف الأنساق الاجتماعية والأنظمة الثقافية والمراحل التاريخية والمناطق الجغرافية والطبقات والشرائح الاجتماعية ….وهذا يعني أن المجتمع من حيث هو الذي يحدد نماذج التفكير والسلوك يحدد في نفس الوقت معايير السواء والشذوذ ، وهنا يكون المجنون مجسدا لحالة السلب كوضعية تكشف في نفس الوقت حالة الإيجاب ( السواء ) ، ويكون الجنون بالتالي معنى يحتاج إليه المجتمع ليضفي على نفسه مشروعية معينة .
   يبدو أن الجنون أصبح مسألة اجتماعية – ثقافية …. وهو اعتبار ذو معنى ، وهذا المعنى أن الطب لن يكون هو المؤسسة الوحيدة التي بيدها الفصل بين الأسوياء وغيرهم ، بل ستدخل مؤسسات أخرى تحدد هوية " المريض " كمجنون ، وبغض النظر عن المؤسسات المسكوت عنها أو الخفية ( الموجودة هناك بكل وضوح إلى درجة أننا لا نراه بوضوح ) هناك مؤسسات مصرح بها قانونيا .
   ففي معظم القوانين المنظمة لمهنة الطب العقلي يخضع المريض للملاحظة الطبية إما بطلب منه أو من كل شخصية عمومية أو خصوصية أ ومن طرف السلطات المحلية بعد قرار ، وعندما يكون المريض خطرا على المحيط .
   ولذلك يبدو أنه لا وجود لتدخل طبي خالص أو وظيفة طبية محايدة ، هناك طب مغلف بعلامات تنتمي إلى فضاءات أخرى لا علاقة لها  -  معرفيا – بالطب ، فهل يمكن القول بوجود" تواطؤ " بين المؤسسة الطبية والمؤسسة الإدارية – القانونية ؟ هنا يتعذر الفصل بين المعرفة والسلطة ، بين الحقيقة والقوة ، ورغم وجود هذا " الفصل " تبقى الكلمة الأولى والأخيرة للسلطة  وتحتل المعرفة ، والمعرفة الطبية ، المرتبة الأخيرة ، والأخيرة فقط .
   يبدو أن أي خطاب حول " الجنون " لا يمكن أن يكون إلا ملوثا بشيء ما لا ينتمي إلى منظومة القيم العقلية .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق