الأربعاء، 6 مارس 2013

الإبداع الفلسفي عند العرب ....تساؤلات


عبدالواحد الفقيهي
إشكالية غياب الإبداع الفلسفي العربي إنما ترجع إلى ضربين من العوامل: عوامل خارجية؛ تلك التي تقوم في الشروط التاريخية والاجتماعية والثقافية والكونية التي تحيط بنا.
 ثم هناك عوامل
داخلية؛ تلك التي ينطوي عليها العقل العربي نفسه؛ أي رؤيته للعالم وذاته والآخر،وكذا طريقة تفكيره التي توجهها آليات ذهنية متوارثة.
       الخطوة الأولى الموجهة تفرض طرح هذا السؤال: ماذا نقصد بالضبط بالفلسفة؟ قد لا يختف اثنان أن للفلسفة معنى ثقافيا عاميا قد نتفق عليه؛ ومعنى أكاديميا خاصا نختلف حتما حوله (مثلما اختلف فيه الفلاسفة أنفسهم).
      إذا سلمنا بأن الفلسفة ـ في معناها الثقافي العام ـ هي تلك الرؤية الشمولية التي تنتظم من خلالها تصورات ومسلكيات مجتمع معين في فترة أو فترات تاريخية معينة. إذا كان ذلك كذلك تأدى بنا الأمر إلى القول بأننا العرب ـ مثل باقي الشعوب والمجتمعات الأخرى ـ لنا فلسفتنا؛ متضمنة في النص الديني وفي المدونة اللغوية وفي المتن الفكري التراثي...إلخ. سنكون هنا أمام نسق من المفاهيم والآليات والتصورات والنظريات المنتظمة فيما بينها على المستوى العام.
      لكن إذا أخذنا بالمعنى الأكاديمي الخاص للفلسفة سنجد أن الأمر يختلف؛ وسوف نختلف. إن المسألة هنا أعقد مما قد نتصور. فهناك تعريفات ركزت على الموضوع أو الموضوعات التي يفكر فيها الفيلسوف؛ وهناك غيرها ركز على آليات التفكير أكثر من تركيزها على موضوعات التفكير...إلخ.
 أمام زئبقية المفهوم يمكن أن نتواضع ونجعل تفكيرنا ـ كتفكير عالم الرياضيات ـ أكسيوميا؛ أي فرضيا استنباطيا.
يجب أن نسلم منذ البداية بتعريف ما ـ من إبداعنا أو من إبداع غيرنا. لكن بشروط: أن يكون مؤَسَسا ومؤسِسا.
 لماذا نصف أرسطو وابن رشد وديكارت وهيدجر فلاسفة؟ لا نصفهم بنعت الفلاسفة لكونهم تركوا تراثا فلسفيا أو قدموا أطروحات فلسفية مازالت حية حتى اليوم. هناك مؤشر قد نتفق عليه في سياق هذه المحاولة "الأكسيومية" إن جاز القول.
 إن هؤلاء الفلاسفة أبدعوا مفاهيم فلسفية: أرسطو أبدع مفاهيم الماهية والحركة والقوة والفعل ومفاهيم المنطق...إلخ؛ فلاسفة الإسلام أبدعوا مفاهيم واجب الوجود والأيس والإنية...إلخ؛ ديكارت صاحب الكوجيطو؛ ليبنتز مبدع الموناد؛ الكينونة عند هيدجر...إلخ. وهي مفاهيم شكلت ـ في أعمال هؤلاء ـ اللبنات القوية المؤسسة لفلسفتهم. على هذا الأساس يمكن قبول التعريف الذي اقترحه كل من جيل دولوز وفيليكس كاتاري: الفلسفة هي إبداع للمفاهيم. إن المفاهيم الفلسفية لا تسقط من السماء؛ بل لها مبدعوها وموقعوها؛ مثلما لها سياقها التاريخي وسيرورة تشكلها وتطورها.
بهذا المعنى الأكاديمي/الخاص هل لدينا فلسفة؟ هل لدينا فلسفة بالمعنى الذي نقصد به وجود فلاسفة تمكنوا من إبداع وابتكار وصياغة مفاهيم كبرى جديدة مؤسسة للحظات أساسية وحاسمة في تاريخ الفكر. كان كل من أرسطو وابن رشد وديكارت...إلخ لحظات حضارية حاسمة في تاريخ حضارتهم. هل لدينا هذا الصنف من الفلاسفة اليوم؟
قبل أن أطرح عناصر للإجابة في المداخلة المقبلة أود أن أعود لحظة إلى تاريخنا من أجل التأمل. فكروا معي: هل كان من الممكن أن يكون لدينا الفارابي وابن سينا وابن رشد لو لم يقرأوا أفلاطون وأرسطو? بمعنى آخر : هل كان من الممكن أن توجد لدينا ما يسمى ب"الفلسفة الإسلامية" ممثلة في الرواد أعلاه لو لم تصلنا الفلسفة اليونانية عبر عمليات الترجمة والشرح التي أشرف عليها في لحظة الدولة نفسها(المأمون وبيت الحكمة)؟ هل يمكن القول إن الفلسفة الإسلامية هي قراءة ـ فهما وشرحا وتأويلا وتوظيفا ـ للفلسفة اليونانية؟ ألا تعتبر الإشكالية التي هيمنت على تفكير الفيلسوف العربي ـ إي إشكالية التوفيق بين الفلسفة والدين أو العقل والنقل ـ إشكالية تعكس لقاء حضاريا مع نمطين من التفكير: ديني وفلسفي؟ هل لدينا في الماضي فلسفة خالصة كي نؤسس عليها فلسفة راهنة? هل أبدعنا كي نبدع اليوم؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق